الاثنين، 1 أغسطس، 2011

الــدائــرة

الــدائــرة



ما الذي حدث ؟
كيف وصل بي الحال إلى هذا الأمر؟
ما الشئ الذي استنفر كل قواي حتى يجعلني أغفو في الشارع على هذا النحو؟
لحيتي لم أتركها أبدا لتنمو إلى ذلك القدر!
بنطالى متسخا وكأني لم أغير ملابس منذ فتره بعيده
من أين لي بتلك الملابس الباليه لم تكن أبدا تلك ملابسي ولا ذلك شكلي
من أنا ؟
أنا لم افقد الذاكرة بعد
اسمي محي
متزوج من بثينه لي ولد اسمه شهاب
اعمل في احد مصانع الحديد والصلب
إذن ماذا حدث ؟
ما الذي جاء بى إلى هنا؟
كيف أنام في الشارع على هذا النحو؟
الأسئلة تنهش عقلي في تلذذ شديد كما الكلاب المسعورة التي لم تأكل من زمن
أكاد أن أصاب بالجنون سأتوجه إلى بيتي علِى أجد عند بثينه تفسيراً لكل هذا الهراء
كل شئ قد صار غريبا عنى و كأني لم أره قبل ذلك
كل شئ قد تغير
قسم الشرطة أين ذهب ؟
ابن سياراته وعساكره والصراخ الذي كنت اسمعه كلما اقتربت منه ؟
أين وجوه أمنائه المكفهرة المكتئبة دائما ؟
هنا كان محل للزهور كيف تحول بقدرة قادر الى مطعم
حتى العمارة التي اقطن بها صارت هي الأخرى باليه وكأن ألف عام مروا عليها
اين البواب واطفاله ؟
كانو دائمى اللعب امام العماره اين ذهبو هم الاخرين ؟
من هذا الرجل ؟ من الواضح انه بواب جديد للعماره
لما ينظر الى بكل تلك البلاهة والاحتقار
القيت عليه السلام لكنه لم يبالى
بوابين اخر زمن
حمدا لله ان شقتى مازالت على حالها ولم تتغير هى الاخرى لتنتقل بطابق غير التى كانت به-
مفاتيحى معى ما هى الا دقائق وسأجد نفسى امام بثينه
مهلا ---تلك ليست بشقتى
نعم ليست تلك شقتى
لما التعجب كل شئ قد تغير هل ستبقى الشقه هى الوحيده التى لم تتغير
كأن الجميع أراد ان يصل بى للجنون
لكتى فتحت بابها بمفتاح كان فى جيبى اذن هى شقتى
لو هى شقتى اين مكتبتى التى كانت فى الصاله
اين طاقم الانتريه الذى اشتريته حديثا؟
من اتى بذلك الفراش فى الصاله؟
أين مكتبتى؟
هناك فى المطبخ ارى سيدة ما تطهو بعض الطعام
هى تشبه بثينه لكنها ليست بثينه
بثينه التى اعرفها تشبه الهة الجمال التى صورها اليونانيون فى القديم
تشبه نسمات الربح التى تهب فى اتون الصيف
بثينه التى اعرفها امام عينها رفعت راية استسلامى
اما الواقفة امامى فمعالم الزمن قد طغت عليها وجندلت جسدها بل بريق عينيها فى حربها مع الزمن
- انت جيت يا محى ؟
هكذا قالت المرأه بعد ان نظرت الى ثم اكملت
- - كده تمشِى العيال على المدارس من غير فطار
- عيال !!! عيال مين ؟ انا ليس لى من الأبناء غير شهاب وشهاب لم يبلغ سن المدرسة بعد هو مازال بالحضانه
-انت كمان مجبتش الفطار امال كنت خارج ليه؟!
قاطعتها قائلا
- شهاب فين؟
انتظرت ان تجيب المرأه الا انها نظرت الى بتمعن شديد دون ان تنطق فعاودت سؤالى
- شهاب فين؟
نظرت الى المرأه وكأنها تسبر اغوارى قائله
- تقصد ايه؟
- يعنى أقصد ايه- سؤالى واضح شهاب فين؟
تركت المرأه ما بيدها لتقترب منى
هى بثيه لكن الزمن قد ابى ان يتركها دون ان يحفر معالمه وانتصاره على وجهها
كنت اظن ان بثينه لو بلغت من العمر مائه فستظل بثينه التى اعرفها
اقتربت منى بشده قائلة
-مالك يا محى انت حاسس بحاجه
وكأنى لم اسمع سؤالها
- شهاب فين؟
حاولت ان تدارى حزن بان على معالم وجهها للحظات قائله
- واشمعنى شهاب انت عندك اتنين غيره
- اتنين- اتنين مين؟!
نظرت الى باستغراب شديد قائله
-اتنين مين يعنى ايه ؟! ولادك يا محى بثينه ومحمود فى ايه مالك النهارده؟!
- هو احنا متجوزين بقالنا اد ايه
زادت نظرة الأستغراب والأندهاش
-انا مش فاهمه مالك النهارده ومال اسئلتك بقت غريبه كده
-ردى عليا احنا متجوزين بقالنا اد ايه؟
بأستنكار شديد
- ييجى 15 سنه مالك يا محى النهارده
-طب انتى مئلتيش شهاب فين ؟
تعلو نبرة صوتها قائله
-يعنى ايه شهاب فين؟ يا محى حرام عليك انا مبئتش قادره
تبدأ فى البكاء
اشد ما يؤلم ان تبكى المراه بلا صوت
ان تنهمر الدموع دون توقف ودون صوت وكأن جبال الدنيا تتداعى
اقتربت منها واضعا يدى على كتفها مهدئا اياها فتكمل قائله
- ياااه محى انت لسه فاكر انت عارف لما الموضوع ده حصل انا كنت فاكره انى عمره مهنساه
مكدبش عليك النهارده ساعات شكله بيتوه من عقلى اروح جاريه على الصوره واقعد ابص فيها
(تشير الى صوره معلقة على الحائط )
نعم هو شهاب لكن من اين له بتلك الصوره ومتى اخذت’بل لماذا تتحدث عن شهاب وكأنه غير موجود
نظرت اليها قائلا
-برده انتى مئلتيش شهاب فين
تصرخ فجأه فى وجهى قائله
-شهاب مات ارتحت شهاب مات
لم استطع الوقوف مادت الدنيا من تحت قدمى تاهت كل الصور من عينى اسندتنى لتجلسنى على احد المقاعد قائله
- فى ايه بس يا محى مالك انت مش طبيعى النهارده خالص انت لازم تروح للدكتور
اكملت كلامها الذى كان مفاده ان شهاب قد مات فى حادث سياره وان الدنيا لم تتوقف بموته
بل ان الله قد رزقهم بمحمود وبثينه وان هذا هو حال الدنيا وان الدنيا لا تتوقف عند احد
واننى لابد ان اذهب للطبيب -
هاأنذا اكتب لكم من خلف احد مستشفيات الأمراض العقليه يقولون انى مصاب بالجنون
يقولون انى كنت معهم مشاركا اياهم طوال الخمسة عشر سنه السابقه التى لا أعرف عنها شئ فرحت عندما انجبت بثينه بثينة اخرى جميله متى لا اعلم
حزنت عندما استغنو عنى فى الشركه كيف استغنو ولما أستغنو يعلم الله ذلك
الأسئله تتقافز فى عقلى كما يقفز ذلك المجنون على احد تلك الأسره المجاوره
ابدا لست بمجنون
نعم لست بمجنون
فأنا لا اظن ان هناك مجنون قادر على التفكير والقياس ووضع الأمور داخل اطار يحكمه العقل والمنطق
اعلم انى لا اتذكر شيئا مما حدث خلال فترة الخمسة عشر السابقه
لكن هذا ليس مفاده انى مجنون
فاقد للذاكره ممكن او حتى مريض بالزهايمر ربما
لكن مجنون فلا
انا لا أنكر تهمة الجنون فالجنون ليس بتهمه بل هو مرض ليس لى او لغيرى يد فيه
هل رأيتم مجنون قبل ذلك يقول ذلك ؟!
لا أظن
ارى احد الأطباء متوجها نحوى الأن اعلم انه سيخبرنى ان ميعاد جلسة الكهرباء قد حان
اه من جلسات الكهرباء تلك
فهى تجعل كل خليه من جسدك محرابا وسكنا للألم
كل خلاياك تعلن عليك التمرد والعصيان
يحدثنى الدكتور قائلا
- ها يا محى ايه الاخبار؟
انظر اليه بعدم اهتمام
يعيد سؤاله قائلا
- ها يا محى ايه الاخبار انت مبتردش عليا ليه؟
ليس هناك مفر من الرد فهو لم و لن يستسلم
- كله تمام يا دكتور- كله تمام الحمد لله
ينظر الى من تحت النظاره وكأنه يستشعر صدق كلماتى قائلا
- لسه برده فاكر ان شهاب مات وانك عندك 45 سنه
انا لا قلت شهاب مات ولا قلت انى عندى 45 سنه اللى قال الكلام ده بثينه
انا اصلا مش فاكر حاجه عن ال 15 سنه دول فمن باب اولى انى اكون مصدق انى معشتهمش
ينظر الى الطبيب بصمت شديد وكأنه يعيد ترتيب كلماتى داخل عقله ليرد عليا قائلا
- عموما ماشى جهز نفسك لجلسة الكهرباء
- بلاش كهربا يا دكتور صدئنى انا مش عيان انا مقتنع انى معشتش فترة ال 15 سنه دول
انا مقتنع ان شهاب لسه عايش وممتش فى حادثة عربيه
ينظر الى الطبيب وكأنه قد رأف بحالى , يربت على كتفى يتركنى ويغادر, الا انه يلتفت الى قائلا:-
- اه نسيت اقلك بثينه مراتك بره ومعاها شهاب ده واد زى العسل بس عامل ازعاج ايه مئلكش قالب المستشفى ملعب بالعجله بتاعته ربنا يخليهولك
اهز رأسى متمتما ببعض الكلمات يتركنى الدكتور مغادرا العنبر
ماذا يحدث ؟
أمات شهاب أم لم يمت ؟
كم أبلغ من العمر؟
أكذبت بثينه عندما أخبرتنى بموت شهاب أم أنها كانت تقول الصدق؟
أم أن فى الأصل هذا لم يحدث وأنا الذى تخيلت ذلك
الجهل دوامه لا مفر منها ألا بالغرق
أكاد فعلا أن أصاب بالجنون
ليته كابوس وبعد وقت سأفيق منه
كل مره أحاول فيها ترتيب الأفكار وفهم شئ أى شئ من وراء ترتيبها أجد أن كل محاولاتى تبوء دائما بالفشل
لو سئلت جسدى كم عمرى فلن أصل لشئ لأنى اشعر انى قد قاربت على المائه بجسد نحيل مثقل لا يقوى على شئ
أدعو الله أحيانا بأن يكن ما فيه أنا هو الجنون وأن شهاب مازال يحيا ناعما بالحياه
أرى شهاب يوميا وهو يحادثنى ويلاعبنى لكن رؤياى تلك ليست بحقيقه فهو يـأتينى بصورهلاميه وهى ايضا ليست بجنون بل استطيع القول بأنها حنين لولدى الذى فقدته
هناك شئ قاله الطبيب لى قبل ان يغادرفلقد قال أن بثينه بالخارج هى وشهاب
وجودهما بالخارج ليس هو المشكله لكن المشكله بل الكارثه فى شئ بسيط قد قاله الطبيب
الطبيب قال أن شهاب بالخارج ومعه عجله
أتذكر الصوره التى بالبيت صورة شهاب راكبا عجلة ما
أتذكر خلفية الصوره حديقة ما -- نهايتها سور اصفر كئيب
نعم تفهم قصدى مثل سور المستشفى تماما
لو ان ما توصلت أليه هو الحقيقه فأن ما يحدث أشبه بالخيال
الأن أفهم
هى دائره !!!!!
شهاب سيموت فى حادث سياره
أخرج من المستشفى
أعيش حياتى
لأستيقظ فى يوم- فى الشارع لأسئل نفسى ماذا يحدث ؟
وكيف نمت بالشارع؟
وأين شهاب؟
ليدخلونى بعدها المستشفى
ليموت شهاب
لأعيد الكره
اسمع بعض الجلبه فى الخارج
يتزاحم المرضى امام النافذه كل منهم يريد ان يمد جسده خارجا ألا أن النافذه مسدوده بستار من حديد لا أعلم سبب وجودها هل لمنع من بالداخل عن من بالخارج او العكس لا أعلم
اقترب منهم
أتلصص النظر للخارج
أرى بثينه واسمعها بوضوح تصرخ بأسم شهاب
أرى شهاب ملقى فى الارض متوسطا بحيرة من دماء
اسمع همهات الواقفين بالخارج معزين بثينه
مات شهاب
ألم اقل لكم انها دائره
بالقريب سأخرج من تلك المستشفى
لأعيش
ثم استيقظ ناسيا انى عشت
فيموت شهاب
لأعيش
إنها دائرة
لا سبيل للخروج منها
إلا بالانتحار
نعم الانتحار
لا سبيل ولا مناص
إلا الانتحار



جيفارا